الجزء الأول: نشأة الصناعة وأبعادها المالية

يقدم الدكتور نورمان فينكلشتاين في كتابه "صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية" تحليلاً نقدياً لكيفية تحويل ذكرى المحرقة، من وجهة نظره، إلى أداة لتحقيق مكاسب مالية وسياسية من قبل منظمات ونخب يهودية أمريكية معينة. ويؤكد فينكلشتاين، وهو نفسه ابن لناجين من المحرقة، أن هدفه هو الدفاع عن قدسية هذا الحدث ضد الاستغلال غير المشروع.

١. مقدمة: من الصمت إلى الانفجار

يشير فينكلشتاين في البداية إلى أن المحرقة لم تحتل مكانة بارزة في الخطاب العام الأمريكي، أو حتى داخل المجتمع اليهودي، فور انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة. ويجادل بأن "اكتشاف" المحرقة ورفعها كظاهرة مركزية في الهوية اليهودية والسياسة الأمريكية حدث بشكل كبير بعد انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧. ويرى أن هذا الانتصار، المقترن بتزايد قوة ونفوذ إسرائيل واللوبيات الداعمة لها في الولايات المتحدة، مهد الطريق لظهور ما يسميه "صناعة الهولوكوست".

٢. الابتزاز المزدوج: ملف التعويضات

يُخصص جزء كبير من الكتاب لفحص نقدي ومفصل لحملات المطالبة بالتعويضات من الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا وسويسرا، وكذلك الشركات الخاصة. ويصف فينكلشتاين هذه العملية بأنها "ابتزاز مزدوج".

* ابتزاز أوروبا: يزعم فينكلشتاين أن المنظمات اليهودية الأمريكية، عبر ضغوط سياسية وأخلاقية مكثفة، أرغمت دولاً وشركات أوروبية على دفع مبالغ طائلة كتعويضات. ويدعي فينكلشتاين أنه تم في هذه العملية تضخيم العدد الفعلي للناجين المحتاجين ومدى الأضرار المتكبدة. وينتقد تحديداً تصرفات منظمات مثل "مؤتمر المطالبات اليهودية ضد ألمانيا" (Claims Conference) و"المؤتمر اليهودي العالمي" (WJC).

* ابتزاز الناجين: يتمثل الجزء الأكثر إثارة للجدل في ادعاء فينكلشتاين بأن جزءاً كبيراً من الأموال المستلمة لم يصل أبداً إلى الناجين المحتاجين فعلياً. ويتهم هذه المنظمات بسوء الإدارة، وانعدام الشفافية، وإنفاق جزء كبير من هذه الأموال على تكاليف إدارية باهظة، أو مشاريع ثقافية وتعليمية خاصة بها، أو لتعزيز نفوذها السياسي. ويرى أن الناجين الفقراء والمغمورين هم الضحايا الرئيسيون لهذه "الصناعة".

٣. قضية المصارف السويسرية: ذروة الاستغلال

يخصص فينكلشتاين فصلاً كاملاً لتمحيص قضية الحسابات المصرفية اليهودية الخاملة في البنوك السويسرية. ويعتقد أنه في هذه القضية، مارست المنظمات اليهودية، من خلال خلق أزمة مفتعلة واستخدام تكتيكات هجومية، ضغوطاً على البنوك السويسرية لدفع مبالغ تتجاوز بكثير ما كان مستحقاً فعلياً لضحايا المحرقة. ويدعي أن العديد من الادعاءات حول حجم الأصول المجمدة كانت لا أساس لها أو مبالغاً فيها، وأن الهدف الأساسي كان تعظيم المكاسب المالية للمنظمات المعنية، وليس بالضرورة إرساء العدالة لأصحاب الحسابات. ويعتبر هذه القضية مثالاً نموذجياً لعمل "صناعة الهولوكوست".

الجزء الثاني: الأبعاد الأيديولوجية ونقد الشخصيات

٤. الهولوكوست كأيديولوجيا: حصانة لإسرائيل

بعيداً عن الجوانب المالية، يتعمق فينكلشتاين في الأبعاد الأيديولوجية لـ "صناعة الهولوكوست". ويجادل بأن هذه الصناعة حولت المحرقة إلى "أيديولوجيا" ذات وظائف محددة:

* تكريس "فرادة" المحرقة: يعارض فينكلشتاين التأكيد المفرط على "فرادة" المحرقة، معتبراً أن ذلك يمنح اليهود، وخاصة دولة إسرائيل، وضعية "الضحية الأبدية والخاصة" التي تمنحهم حصانة ضد الانتقاد. ويشير إلى أن هذا التأكيد يهمش أحياناً عمليات الإبادة الجماعية والمآسي الإنسانية الأخرى.

* درع لحماية إسرائيل: وفقاً لفينكلشتاين، فإن إحدى الوظائف الأساسية لهذه الأيديولوجيا هي حماية إسرائيل من الانتقادات المتعلقة بسياساتها، خاصة تجاه الفلسطينيين. ويدعي أن "صناعة الهولوكوست" تعمل على تحييد أي نقد جاد لإسرائيل من خلال وصمه بـ "معاداة السامية" أو "إنكار المحرقة"، وهو ما يسمح لإسرائيل بالاستمرار في أفعالها دون مساءلة.

* حشد الدعم الأمريكي: تساعد هذه الأيديولوجيا أيضاً في تأمين الدعم السياسي والعسكري والمالي من الولايات المتحدة لإسرائيل، حيث تُقدم المحرقة كمبرر أخلاقي للدعم غير المشروط للدولة اليهودية.

٥. نقد إيلي فيزيل وآخرين: تشويه الذاكرة

ينتقد فينكلشتاين في كتابه بشدة شخصيات بارزة يعتقد أنها لعبت دوراً في تشكيل وتكريس "صناعة الهولوكوست".

* إيلي فيزيل: يوجه فينكلشتاين أشد انتقاداته إلى الكاتب والناجي من المحرقة والحائز على جائزة نوبل للسلام، إيلي فيزيل. ويتهمه بـ "إضفاء طابع عاطفي ومبتذل" على ذكرى المحرقة، وتقديم روايات تاريخية غير دقيقة أو مبالغ فيها، واستخدام سلطته الأخلاقية للدفاع غير النقدي عن السياسات الإسرائيلية. ويرى أن فيزيل أصبح رمزاً لهذه "الصناعة".

* منظمات وأفراد آخرون: يسمي فينكلشتاين ويشكك في تصرفات كتاب ومؤرخين ومنظمات أخرى يرى أنها شاركت في هذه العملية.

٦. دروس المحرقة المنسية

يختتم فينكلشتاين كتابه بالمجادلة بأن "صناعة الهولوكوست" شوهت الدروس الحقيقية والعالمية لهذه المأساة. وبالاستلهام من تعاليم والدته (وهي نفسها ناجية)، يعتقد فينكلشتاين أن الرسالة المركزية للمحرقة يجب أن تكون التضامن مع جميع ضحايا القمع والظلم في جميع أنحاء العالم، وليس تسييسها لصالح مصالح فئوية أو تبرير القمع ضد الآخرين. ويدعو إلى استعادة ذكرى المحرقة من أولئك الذين، في نظره، يسيئون استخدامها.

الخلاصة من منظور فينكلشتاين:

جوهر حجة فينكلشتاين في "صناعة الهولوكوست" هو أن مجموعة منظمة من النخب اليهودية الأمريكية، من خلال المبالغة والتحريف واستغلال المعاناة اليهودية في المحرقة، نجحت في تأمين فوائد مالية كبيرة وخلق درع أيديولوجي قوي لتبرير السياسات الإسرائيلية وقمع منتقديها. ويرى في هذه الظاهرة خيانة للذكرى الحقيقية للضحايا وللدروس العالمية للمحرقة.